blank2

untitled-2

أضف الموقع الى المفضلةأضف الصفحة الى المفضلةإطبع هذه الصفحةإحفظ الصفحة بصيغة PDF
إذهب الى بداية الصفحة

أول الواجبات علما وعملا ودعوة

بإمكانها أن تقود الدنيا بأسرها، فمكَّن الله لها تحقيقاً لوعده؛ لتحقيقهم ما اشترطه عليهم في ذلك، كما قال تعالى: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وقال تعالى:(وكان حقا علينا نصر المؤمنين) (وعْدَ الله حقا ومن أصدق من الله قيلا).

وعامّةُ الشرائع والعبادات التي شرعها الله لهم وللناس كافة كانت بعد فترة التمكين بالمدينة كما هو معلوم، فأركان الإسلام مثلا من الزكاة المقدّرة وصوم رمضان والحج لم تفرض إلا في هذه الفترة، فضلاً عن غيرها من الواجبات الشرعية ـ وما أكثرها ـ ومع ذلك استمرت آيات التوحيد في النزول تذكيرا بهذا الأصل العظيم، ونقضا لبعض صور الشرك التي كانت بالمدينة ولم تكن بمكة، وقد سدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ ذريعة يمكن أن توصل إلى ما يناقض التوحيد، ومن ذلك نهيه عن كل ما يخدش التوحيد ويؤثر في كماله الواجب، كالحلف بغير الله، وما يوهم التسوية بين الخالق والمخلوق في العبارة ـ وإن لم تُقصد حقيقتها ـ كقول القائل: "ما شاء الله وشئت"، ومن ذلك نهيُه عن بناء المساجد غلى القبور، واتخاذ قبره صلى الله عليه وسلم عيدا، و(سدُّ الذرائع) قاعدةٌ شرعية متقررة عند أهل العلم، ينبني عليها كثير من الأمور الفرعية، وتتعلق هذه القاعدةُ بها، فضلاً عن تعلقها بأصلها وأساسها، وهو توحيد الله تعالى وإفرادُه بالعبادة.

وما أشبه اليومَ بالأمس! والليلةَ بالبارحة!! فبعد أن اختفت مظاهر الشرك في هذه الأمة، وعلا صرح التوحيد فيها قرونا، حتى أيس الشيطان أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، عاد الأمر في هذه الأمة على ما كان عليه في الجاهلية الأولى وأشد، بسبب انتشار الجهل فيها، وكيد أعدائها بها، إلا من رحم الله وقليل ما هم، وما الفرقُ بين هؤلاء الجهلة وأولئك الجاهليين ـ وإن اختلفت مظاهر الشرك وصورُه أو بعضها ـ إلا أن هؤلاء قبلوا الإسلام جملةً على جهلهم بحقيقته ، وأولئك عرفوا حقيقة الإسلام والتوحيد وتولَّوْا عنها وكفروا بها، فافترقا في الحكم، فثبت لهؤلاء عقدُ الإسلام على ما فيه؛ لقبولهم له، وانتفى عن أولئك؛ لعدم قبولهم له.

بل، لقد زاد هؤلاء الجهلة من المسلمين على أولئك الجاهليّين في أمرين:

الأول: أنهم أشركوا بالله في الشدائد، كما يشركون به في الرخاء، بينما أهل الجاهلية كانوا يخلصون الدعاء لله في الشدائد، ويشركون به في الرخاء، كما قال تعالى عنهم: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون)، وقد تكرر هذا المعنى في سورة الأنعام (64ـ65)، ويونس(32ـ33)، ولقمان (31)، بل هؤلاء الجهلة من المسلمين لا يكادون يعرفون الله تعالى في الشدائد، والله المستعان.

الثاني: أن أهل الجاهلية كان عامةُ شركهم في جانب الألوهية والعبادة، بينما تنوّع شرك من جاء بعدهم من المسلمين في جانب الألوهية وجانب الربوبية معاً، بل وفي جانب الصفات أيضاً، كاعتقادهم في النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره أنه يعلم الغيب، ولم ينتف عنهم مع ذلك اعتقاد معنى الشهادة، وأن العبادة حق خالص لله تعالى وليس لأحد سواه، معه أو من دونه، وإن لم يفهموه من كلمة التوحيد مباشرةً لجهلهم بلغة العرب، وهذا من المعلوم بالضرورة من واقع الحال، فلم ينتف عنهم ـ بذلك ـ شرط العلم بمعناها، ولم يكن هذا هو سبب وقوعهم في الشرك بصرف العبادة لغير الله، وإنما هو جهلهم بأفراد العبادة وأنواعها وكمال صورها، وانحسار مفهومها عندهم حتى كاد ينحصر في أركان الإسلام بعد الشهادتين!

وقد حصل شيء من هذا للعرب الأقحاح أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فجهلوا بعض صور العبادة، ووقعوا فيما يناقض الشهادة، قبل إسلامهم أو بعده، ومثال ذلك:

1 ـ ما جاء في حديث عدي بن حاتم الطائي عند الترمذي ـ وحسنه ـ وأحمد وابن جرير أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)، فقال: إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرموه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟"، فقال: بلى، قال: "فتلك عبادُتهم".

فقد جهل عديّ رضي الله عنه أن طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم ـ مع اعتقاد أن لهم الحق في ذلك ـ عبادة لهم، فبين ذلك له صلى الله عليه وسلم، وكان هذا قبل إسلامه.

2 ـ ما جاء في حديث أبي واقد الليثي عند الترمذي أيضاً ـ وصححه ـ قال: خرجنا مع رسل الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون (يعني: يعلقون) بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر! ‘نها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون)"، فقد جهل هؤلاء الصحابة ـ ومنهم أبو واقد الليثي ـ كوْن ما طلبوه عبادةً للشجرة من دون الله لقرب عهدهم بالشرك، وجهلهم بحقيقة التوحيد الكاملة، فبين لهم صلى الله عليه وسل ذلك.

فإذا كان هذا في حق العرب الأقحاح، فكيف بغيرهم ممن خالطتهم لوثة العجمة، وبعُد عهدهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأحاط بهم الجهل بحقيقة الإسلام وأحكامه؟

والحاصل أن جهل المسلمين بأنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر وغيرها، هو الذي جعلهم يصرفونها إلى غير الله من أصحاب القبور، بسبب اعتقادهم الفاسد فيهم، كاعتقادهم فيهم أنهم يتصرفون في الكون، وأنهم ينفعون أو يضرون، ولهم من القدرة ما لا يكون إلا لله، لا أنهم يعتقون فيهم أنهم يستحقون العبادة مع الله أو من دونه.

وهذا الانحراف في هذه الأمة ليس وليد هذا القرن أو الذي قبله، ولا قرن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو القرن الهجري الثاني عشر، بل هو قائمٌ على أشده في القرن السابع الهجري كما تدل عليه كتب شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة 728 هـ

ولابد مع ثبوت عقد الإسلام لهؤلاء الجهلة من تصحيح عقائدهم، وبيان حقيقة التوحيد لهم، وبيان شمول العبادة لجميع أفرادها التي دل عليها الشرع، وذلك لأمور:

الأول: أن ما هم عليه منكر عظيم، بل هو أعظم المنكرات وأبغضها إلى الله عز وجل،

ولابد من الإنكار عليهم في ذلك وإن لم نحكم عليهم بموجب أفعالهم، حتى تتوفر شروط الحكم عليهم وتنتفي موانعه، لقوله تعالى:(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".

الثاني: إحياء الغاية التي خلقهم الله من أجلها في قلوبهم، ألا وهي إخلاص العبادة له وحده، حتى تكون القلوب متعلقةً به دون غيره.

الثالث: أنه إذا حصل لها ذلك، حصل لها من التعظيم لله والمحبة والخوف والرجاء والتوكل ما يحمل على ظهور آثار التوحيد على جوارح أصحاب هذه القلوب، والاستقامة على هذه الآثار، وبقدر التعلق بغير الله قوةً وضعفاً يفوت من التعظيم لله والمحبة والخوف والرجاء والتوكل ما يفوت بفواته من آثار التوحيد والاستقامة عليها فعلاً وتركاً.

كما أنه بقدر الاستقامة على أمر الله ونهيه ـ فعلا وتركا ـ وفواتِها ـ قلةً وكثرةً ـ يكون العز والذل، والتمكين وعدمه، والأمن والخوف، والسعادة والشقاء ، والضيق والرخاء، فمستقلٌ ومستكثر!

فكيف نترك الأمة بعد ذلك كله على ما هي عليه، ونقول: لماذا ندعوهم إلى التوحيدِ وصحيحِ الإيمان وهم مسلمون؟!

وكل الواجبات الشرعية أفعالا كانت أم تروكا ـ وبخاصةٍ منها الصلاة والزكاة ـ لها آثارها في حياة المسلمين إيجاباً وسلباً على حسب درجاتها في الأهمية.

فما أحوج هذه الأمة إلى من يزيل عنها سحابة الجهل، ويخرجها من غياباته، ويحملها على الالتزام بحقيقة التوحيد وحقوقه ومكملاته، فيعود لها عزها وتمكينها، ويرضى عنها ربها، فتفلح في دينها ودنياها، وأولاها وأخراها، وتزول عنها غربتها التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، كما بدأ"، ولا يمكن أن تزول هذه الغربة إلا بما زالت به غربةُ الإسلام الأولى، وذلك بالدعوة إلى التوحيد والإيمان الصحيح، وما يتبع ذلك من صالح الأعمال وكريم الأخلاق، على علم صحيحٍ، وفهمٍ سديد، مع الرفق واللين في هذه الدعوة، والصبر عليها وعلى الأذى فيها، واحتساب ذلك عند الله، واستشعار مسئولية حمل هذه الأمانة، حتى تُؤدَّى دون تقصير ولا تغيير، ولا يمكن أن تقوم لذلك قائمة إلا بالتضحيات العظيمة بجميع صورها على حسب ما تقتضيه الظروف والأحوال، بالمال والنفس والأهل والوطن، كما كان جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، وخاصةً منهم السابقون الأولون من المهاجرين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وصهيب وبلال والأرقم ومصعب وجعفرَ وزوجه، أهل الإخلاص والصدق والرجولة، فهم قدوتنا، وبهم نتأسى، وعلى طريقهم نسير، بإذن الله العلي القدير، وبقدر العطاء والجهد تكون النتيجة والثمرة، إن شاء الله عز وجل.

تشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك غفور رحيم)

 

عبدالمجيد عثمان أبومالك الزاوي

 

 

 

 

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com