blank2

untitled-2

أضف الموقع الى المفضلةأضف الصفحة الى المفضلةإطبع هذه الصفحةإحفظ الصفحة بصيغة PDF
إذهب الى بداية الصفحة

الذكر الجماعي المحدث

!

ولكن كما ذكر ابن بطال رحمه الله في شرح البخاري عن العلماء أنهم قالوا :

الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم يُحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة لها كيف تلقوها من صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه، فإنهم أعرفُ بالمقال وأفْقَه بالحال " ا.هـ نقله ابن الحاج عنه.

ولا شك أن هذا أصل هام في التعامل مع النصوص.

ولا يشك من له دراية بالنصوص وأقوال أهل العلم أن اجتماع المسلمين في حلقات لقراءة القرآن يقرأ فيها الواحد بعد الآخر كما هو حال عامة السلف أو لقراءة الأحاديث النبوية أو لدراسة الأذكار الواردة وتفهم معانيها أو لدراسة النصوص التي تحث على تعظيم الله ومحبته أو لدراسة الصفات المبيِّنة لكمال الله أوالتعرض للآيات التي تبين عظمة الخالق من خلال الآيات الشرعية والكونية أو التي تدرس أحوال الأمم السابقة وأحوال أهل الظلم وحتى حلقات العلم والفقة التي تعتني بالحلال والحرام والتي تبين للإنسان حدود الطاعة وكيف يتقرب إلى ربه والذي هو حقيقة الذكر مصداقا لقوله تعالى : ( وأقم الصلاة لذكري )

كل هذه الحلقات هي مِن حلقات ومجالس الذكر ولا يخلو نوع منها بطبيعته من تسبيح لله وحمد وثناء وتكبير سواء من الواعظ المذكِّر وهو الأكثر، أو من الجالسين وهو كثير وما أمْرُ تفاعل الجالسين مع الوعظ عنكم ببعيد .

ناهيك عن اشتغال كثير من الحاضرين بذِكر الله تسبيحا وحَمْدا وتكبيرا في أي لحظة يقوم فيها سبب خاص للذكر، كترجيع على آذان أو لأي سبب مماثل، أو أي لحظة قد يتوقَّف فيها الواعظ عن الكلام لعارض أو قبل بدئه الوعظ.

إضافة إلى كفارة المجلس التي لا تختص بفرد من ذلك المجلس وإنما يفعلها الكل

فكل مجلس من تلك المجالس يصلح وصفه والإخبار عنه بأن أهله يسبحون الله ويكبرونه ويحمدونه لاينكر هذا إلا جاحد.

إضافة إلى أن المستمع مشارك للمتكلم في كل ما يجري على لسانه مِن ذِكر فكما أن المغتاب يتسبب في الإثم للجالسين الراضين بغيبته فكذلك بلا خلاف بين العلماء أن الذاكر يشمل بذكره المستمعين الراغبين في حضور وسماع ذكره

على قاعدة النبي : ( إن وضعها في حرام كان عليه وزر ؟ فكذلك إن وضعها في حلال كان له أجر )

إضافة إلى أن مجرد تناول مسائل العلم بحد ذاته يعتبر نوعا من الذكر

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : " مدارسة العلم تسبيح لله "

قال عبد الله بن مسعود :

" إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا - أما إني لا أعني حلق القصاص , ولكن حلق الفقه "

رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه من طريقين متغايرين أرجو أن يثبت بهما وإن لم أتمكن من دراستهما لضيق الوقت.

وعن يزيد الرقاشي , عن أنس بن مالك , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأن أجلس مع قوم يذكرون الله من غدوة (1) إلى طلوع الشمس , أحب إلي مما طلعت عليه الشمس , ومن العصر إلى غروبها أحب إلي من كذا وكذا "

قال يزيد الرقاشي : كان أنس إذا حدَّث بهذا الحديث , أقبل عليَّ وقال : " والله ما هو بالذي تصنع أنت وأصحابك , ولكنهم قوم يتعلمون القرآن والفقه "

والرقاشي وإن كان فيه كلام لكنه صاحب الشأن في هذه الرواية ففي روايته نوع قوة

 

وروى أبو زرعة الدمشقي في تاريخه والطبراني في الشاميين وأبو نعيم في الحلية من طريق أبي عبد الملك الفارسي وكان من خيار المسلمين ثنا أبو هزان [ وعده ابو زرعة من أهل الفضل والزهد ] قال : سمعت عطاء بن أبي رباح يقول :

من جلس مجلس ذِكر كفَّر الله عنه بذلك المجلس عشرة مجالس من مجالس الباطل وإن كان في سبيل الله كفر الله بذلك المجلس سبعمائة مجلس من مجالس الباطل

قال أبو هزان : قلت لعطاء ما مجلس الذكر ؟

قال : مجلس الحلال والحرام وكيف تصلي وكيف تصوم وكيف تنكح و كيف تطلق وتبيع وتشتري "

 

وهو أثر ثابت فأبوهزان يزيد بن سمرة الرهاوي روى عنه جمع من الأئمة الثقات وذكره أبو زرعة بالفضل والزهد وكذا الفارسي يكفيه وصفه بأنه من خيار المسلمين

وعند الخطيب في الفقيه والمتفقه :

عن يحيى بن أبي كثير في قوله تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي (1) قال : " مجالس الفقه "

والخطيب البغدادي يذهب إلى أنَّ حِلق الذكر هي حِلق الفقه والعلم

فهذا فهم السلف لمسمى مجلس الذكر، وهو يقضي على ما ينازع به الخصوم من تنزيل تلك الأحاديث الواردة في مجالس الذكر على تلك الصورة المحدثة من التسبيح الجماعي الموحد أو المقنن دون غيرها.

وكل ما سبق من صُور مشروعة للاجتماع على الذكر ونحوها مما لم نذكر فنحن نحمل الأحاديث الواردة في مجالس الذكر عليها.

ومما اشتهر الاستدلال به على مجالس الذكر وهو جارٍ على مفهوم السلف للاجتماع المشروع ما يُروى بأن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قالوا "لو نظرنا يوما فاجتمعنا فيه فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا" وذكر الحديث وفيه أنهم اجتمعوا يوم الجمعة في بيت أسعد بن زرارة وذبحت لهم شاة وكفتهم

 

فهذا عدَّه العلماء مِن الاجتماع على ذكر الله وليس فيه أنهم يسبحون جماعيا أو يحمدون أو أنهم يخصون المجلس بالتسبيح.

فالاجتماع على الذكر بالتسبيح والتكبير جماعة بطريقة تبادلية تراتبية أو بصوت موحد هو أمر محدث مبتدَع لم يفعله نبي الذكر الذي شرع الذكر وحث عليه وبين عظيم الأجر فيه، وبالتالي فلا يجوز تنزيل تلك النصوص في مجالس الذكر عليه.

والبينة مع أنها على من يدعي أن ذلك الاجتماع بالهيئة المذكورة وارد ومأثور وهي تلزمه ومع ذلك عندنا بينة أنه محدث مبتدَع!

فقد أنكره واعتبره كذلك أعلم صحابة رسول الله وهو عبد الله بن مسعود ويوافقه على مبدإ إنكار الاجتماع المحدث الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب

أما أثر ابن مسعود فقد قيل له :

رأينا في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصا فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة

فجاءهم ابن مسعود فقال ما هذا الذي أراكم تصنعون ؟ قالوا يا أبا عبد الله حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح ، قال فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن ان لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه و سلم متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وأنيته لم تكسر والذي نفسي بيده انكم لعلي ملة هي أهدي من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة قالوا والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا الا الخير قال وكم من مريد للخير لن يصيبه ان رسول الله صلى الله عليه و سلم حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم ثم تولى عنهم فقال عمرو بن سلمة رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج .

وأما أثر عمر فقد روى ابن أبي شيبة وابن وضاح كلاهما من طريق معاوية بن هشام قال : نا سفيان ، عن سعيد الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، قال :

كتب عامل لعمر بن الخطاب إليه أن ههنا قوما يجتمعون فيدعون للمسلمين وللأمير .
فكتب إليه عمر : " أقبل بهم معك"
فأقبل ، وقال عمر للبواب : أعد سوطا .
فلما دخلوا على عمر علا أميرَهم ضربا بالسوط
فقلت : يا أمير المؤمنين ، لسنا أولئك الذين يعني ، أولئك قوم يأتون من قبل المشرق


هذا الأثر فيه معاوية بن هشام وثق وقال فيه ابن عدي ملخصا حاله :

ولمعاوية بن هشام غير ما ذكرت حديث صالح عن الثوري وقد أغرب عن الثوري بأشياء وأرجو أنه لا بأس به.

وأكد أئمة السلف بعد صحابة رسول الله أن التسبيح والذكر الجماعي بالصورة المذكورة أمر محدث مبتدع لم يكن على عهد السلف :

روى ابن أبي داود عبد الله بن سليمان بن الأشعث في كتابه المصاحف :

أنبأنا عمر بن عثمان أنبأنا الوليد عن عبد الله بن العلاء قال سمعت الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب ينكر هذه الدراسة ويقول ما رأيت ولا سمعت وقد أدركت أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم )

قال وأنبأنا محمد بن وزير أنبأنا الوليد قال سألت عنها عبد الله بن العلاء فقال كنا ندرس في مجلس يحيى بن الحارث في مسجد دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك إذ خرج علينا امير دمشق الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب الأشعري من الخضراء فأقبل علينا منكرا لما نصنع فقال ما هذا أو ما أنتم فقلنا ندرس كتاب الله فقال أتدرسون كتاب الله تبارك وتعالى إن هذا شئ ما سمعته ولا رأيته ولا سمعت أنه كان قبل ثم دخل الخضراء .

وهو أثر صحيح ساقه عن ابن أبي داود ابن عساكر في تاريخه وهو ساقط من المطبوع

وقد بين النووي في التبيان في آداب حملة القرآن وغيره ممن ذكر الأثر كأبي شامة وابن الحاج أن الضحاك إنما أنكر المدارسة الجماعية وهو ما لا يحتمل الأثر سواه.

والضحاك ممن أدرك الصحابة وهو ينفي عنهم تلك الصورة المحدثة في شأن القرآن من القراءة الجماعية والذي هو أخف من التسبيح لما سيأتي فما بالك بالتسبيح ونحوه

 

وقد كان ينكره بشدة الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة

ذكر الطرطوشي في كتاب الحوادث :

قال مالك لا يجتمع القوم يقرؤون في سورة واحدة ـ كما يفعله أهل الإسكندرية ـ هذا مكروه ولا يعجبنا لم يكن هذا من عمل الناس هذا مكروه ومنكر فلو قرأ واحد منهما آيات ثم قرأ الآخر على أثر صاحبه والآخر كذلك لم يكن بذلك بأس هؤلاء يعرضون بعضهم على بعض " نقلا عن الباعث لأبي شامة

وقوله كما يفعله أهل الاسكندرية من الطرطوشي توضيحا والله أعلم

وفي التاج والإكليل عن القراءة الجماعية
"
كَرِهَ مَالِكٌ اجْتِمَاعَ الْقُرَّاءِ يَقْرَءُونَ فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ : لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ ، وَرَآهَا بِدْعَةً " ا.هـ

ونقله عن مالك جمع من الأئمة منهم النووي في التبيان وأبو شامة كما سيأتي

قال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" لابن شعبان:

" ولا يجتمع القوم يقرؤون في سورة واحدة، كما يفعل أهل الإسكندرية، هذا مكروه ولا يعجبنا ".

وفي البيان والتحصيل 1 / 298 قال مالك في القوم الذين يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية ، فكره ذلك ، وأنكر أن يكون من فعل الناس .

وفي البيان والتحصيل 2 / 17 سئل عن دراسة القرآن بعد صلاة الصبح في المسجد ، يجتمع عليه نفر فيقرؤون في سورة واحدة ، فقال كرهها مالك ونهى عنها ورآها بدعة

 

 

قال زيد بن عبيد الدمشقي: قال لي مالك بن أنس: بلغني أنكم تجلسون حلقاً تقرءون، فأخبرته بما كان يفعل أصحابنا، فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار، ما نعرف هذا، قال: فقلت هذا طريف؟ قال: وطريف رجل يقرأ ويجتمع الناس حوله، فقال: هذا عن غير رأينا.

ذكره أبو بكر النيسابوري في كتاب"مناقب مالك رحمه الله".

قال أبو شامة :

" قلت على أن قراءة القرآن على هذه الصورة التي فعلها الشيخ بدار الحديث كرهها مالك بن أنس الأمام رحمه الله تعالى ...

قلت والذي كره مالك رحمه الله تعالى من ذلك موافق لما أخرجه الحافظ أبو القاسم في تاريخه بإسناده عن عبد الله بن العلاء بن زبير الربيعي قال :

سمعت الضحاك بن عبد الرحمن بن عزرب ينكر هذه المدارسة...

وعن وهب قال : قلت لمالك أرأيت القوم يجتمعون فيقرءون جميعا سورة واحدة حتى يختموها ؟ فأنكر ذلك وعابه وقال ليس هكذا تصنع الناس إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه"

وقال الحافظ أبو العباس أحمد القرطبي المالكي رحمه الله (ت 656 هـ) في شرح حديث (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ...):

وقد تمسك بهذا الحديث من يجيز قراءة الجماعة القران على لسان واحد ، كما يفعل عندنا بالمغرب ، وقد كره بعض علمائنا ذلك ، ورأوا أنها بدعة إذْ لم تكن كذلك قراءة السلف ، وإنَّما الحديث محمول على : أن كل واحد يدرس لنفسه ، أو مع من يصلح عليه ، وليستعين به.

وسئل أبو إسحاق الشاطبي ( 790 هـ) عن قراءة الحزب بالجمع هل يتناوله قوله عليه السلام: (ما اجتمع قوم في بيت) الحديث. كما وقع لبعض الناس أو هو بدعة؟

فأجاب: إن مالكا سئل عن ذلك فكرهه، وقال: هذا لم يكن من عمل الناس.

وفي العُتبية سئل عن القراءة في المسجد، يعني على وجه مخصوص كالحزب ونحوه، فقال: لم يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث، يعني أنه لم يكن في زمان الصحابة والتابعين. قال: ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها

وقال: في موضع آخر أترى الناس اليوم أرغب في الخير ممن مضى يعني أنه لو كان في ذلك خير لكان السلف أسبق إليه، يدل على أنه ليس بداخل تحت معنى الحديث. (المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب ص 112)

وسئل السرقسطي المالكي عن طريقة الفقراء:

فأجاب : إن طريقة الفقراء في الذكر الجهري على صوت واحد والرقص والغناء بدعة محدثة لم تكن في أصحاب رسول الله ص وكل بدعة ضلالة .. فمن أراد اتباع السنة واجتناب البدعة في ذكر الله والصلاة على رسوله فليفعل ذلك منفردا بنفسه غير قارن ذكره بذكر غيره وليخف ذكره فهو أفضل وخير الذكر الخفي "

 

وكذا الإمام أبو حنيفة يرى الذكر الجماعي الموحد محدثا وذلك بِعَدّه لكل ذكر جهري محدثا ، فقد ذكر الإمام علاء الدين الكاساني الحنفي في كتابه ( بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ) ، عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى :

أن رفع الصوت بالتكبير بدعة في الأصل ، لأنه ذكر ، والسنة في الأذكار المخافتة ؛ لقوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعاً وخفية } [ الأعراف : 55 ] . ولقوله ( : (( خير الدعاء الخفي )) . ولذا فإنه أقرب إلى التضرع والأدب ، وابعد عن الرياء فلا يترك هذا الأصل إلا عند قيام الدليل المخصص . انتهى .

فما بالك إذا كان جماعيا ؟

والأقرب أنه مذهب الإمام الشافعي أيضا ،قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في ( الأم )(87) :

" وأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله بعد الانصراف من الصلاة ، ويخفيان الذكر إلا أن يكون إماماً يجب أن يُتعلم منه فيجهر حتى يرى أنه قد تُعُلِّم منه ثم يُسِرُّ ، فإن الله عز وجل يقول : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } [ الإسراء : 110 ] يعني - والله تعالى أعلم - الدعاء ، ولا تجهر : ترفع . ولا تخافت : حتى لا تسمع نفسك . انتهى .

قال الأذرعي : (( حمل الشافعي رضي الله عنه أحاديث الجهر على من يريد التعليم ))

 

وكذا الإمام أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين .

قال الفضل بن مهران : سألت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قلت : إن عندنا قوماً يجتمعون ، فيدعون ، ويقرأون القرآن ، ويذكرون الله تعالى ، فما ترى فيهم ؟

قال : فأما يحيى بن معين فقال : يقرأ في مصحف ، ويدعو بعد الصلاة ، ويذكر الله في نفسه ، قلت : فأخ لي يفعل ذلك . قال : أنهه ، قلت : لا يقبل ، قال : عظه . قلت : لا يقبل . أهجره ؟ قال : نعم . ثم أتيت أحمد فحكيت له نحو هذا الكلام فقال لي أحمد أيضاً : يقرأ في المصحف ويذكر الله في نفسه ويطلب حديث رسول الله . قلت : فأنهاه ؟ قال : نعم . قلت : فإن لم يقبل ؟ قال : بلى إن شاء الله ، فإن هذا محدث ، الاجتماع والذي تصف .

وإنما أحمد يجوز الاجتماع للدعاء إذا لم يكن الاجتماع متعمدا وكان عارضا

وقال الطرطوشي :

(( هذه الآثار تقتضي جواز الاجتماع لقراءة القرآن الكريم على معنى الدرس له والتعلم والمذاكرة وذلك يكون بأن يقرأ المتعلم على المعلم ، أو يقرأ المعلم على المتعلم ، أو يتساويا في العلم ، فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة والمدارسة هكذا يكون التعليم والتعلم ، دون القراءة معاً .

وجملة الأمر أن هذه الآثار عامة في قراءة الجماعة معاً على مذهب الإدارة ، وفي قراءة الجماعة على المقرئ ... ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة قد اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم . ورجل واحد يقرأ القرآن ، لجاز أن يقولوا : هؤلاء جماعة يدرسون العلم ، ويقرؤون العلم والحديث . وإن كان القارئ واحد .

وقال الإمام الشاطبي في بيان البدع الإضافية ما نصه : "كالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان . فإن بينه وبين الذكر المشروع بوناً بعيداً إذ هما كالمتضادين عادة ".

وقال ابن الحاج في المدخل منكرا دعوى النووي وُرود القراءة الجماعية فقال :

" وقد ذكر بعض المتأخرين رحمه الله تعالى وعفا عنه هذه الأحاديث المتقدم ذكرها وساقها في فصل استحباب قراءة الجماعة مجتمعين وفضل القارئين والسامعين وبيان فضيلة من حضهم وجمعهم عليها وندبهم إليها ثم قال اعلم أن قراءة الجماعة مجتمعين مستحبة لهم بالدلائل الظاهرة وأفعال السلف والخلف المتظافرة .

وليس في شيء من تلك الأحاديث المذكورة شيء من أفعال السلف والخلف وقد ذكر ابن بطال رحمه الله في شرح البخاري عن العلماء أنهم قالوا الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة لها كيف تلقوها من صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه فإنهم أعرف بالمقال وأفقه بالحال .

وما ذكره [ يعني النووي ] من الأحاديث ليس في شيء منها ما ينص على أنهم اجتمعوا على ما ترجم عليه

أما قوله صلى الله عليه وسلم : " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله "

فلم يذكر فيه أنهم اجتمعوا على ذلك يتراسلون بينهم صوتا واحدا

بل ذلك عام هل كان على صوت واحد أم لا وقد دل الدليل على أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك ، بل دل الدليل على عدم ارتكابهم ذلك ونهيهم عنه

وقد ذكر [ يريد النووي ] رحمه الله نبذا من ذلك في الفصل نفسه

فقال : وعن حسان بن عطية والأوزاعي أنهما قالا أول من أحدث الدراسة في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل في قدومه على عبد الملك وروى ابن أبي داود عن الضحاك بن عبد الرحمن أنه أنكر هذه الدراسة وقال ما رأيت ولا سمعت ولا أدركت أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلها

وعن ابن وهب قال : قلت لمالك رضي الله عنه : أرأيت القوم يجتمعون فيقرؤون جميعا سورة واحدة حتى يختموها فأنكر ذلك وعابه

وقال : ليس هكذا كان يصنع الناس إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه.

فقد نقل رحمه الله ما كان عليه السلف وبينه

وقد قال [ يريد النووي ] في الترجمة التي ترجمها ما قال من أن ذلك فعل السلف والخلف

ثم نقل فعلهم على الضد مما ترجم عليه سواء بسواء وقد تقدم ذكرهم كيف كان بعد صلاة الصبح والعصر وأنهم كانوا مجتمعين في المسجد يسمع لهم فيه دوي كدوي النحل كل إنسان يذكر لنفسه على ما نقل عنهم

وقد تقدم أنهم كانوا لا يرفعون أصواتهم بالذكر ولا بالقراءة ولا يفعلون ذلك جماعة وقد تقدم حديث ابن مسعود حين إنكاره على من فعل ذلك بعدهم وقوله لهم والله لقد جئتم ببدعة ظلما أو لقد فقتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما ...

وأما قوله صلى الله عليه وسلم :

ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة "

فالدراسة المذكورة تشعر بأنهم لم يجتمعوا على التلاوة صوتا واحدا متراسلين لأن المدارسة إنما تكون تلقينا أو عرضا وهذا هو المروي عنهم وأما الاجتماع على صوت واحد فليس بمروي عنهم كما تقدم " ا.هـ كلام ابن الحاج

 

فقراءة القرآن جماعة بصوت واحد أمر لم يكن يفعل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا ولا أعلم خلافا في هذا وأخشى ممن لا يتحرى ولا يدقق أن يقع في الكذب إذا زعم خلاف هذا!

بل ولا على عهد الصحابة وإنما المشهور والمعروف عند أهل العلم أن أول من أحدث هذا أهل الشام في القرن الثاني وقيل أول من أحدثه هشام بن إسماعيل المخزومي عندما كان عاملا عليها.

قال أبو بكر بن أبي داود ثنا أبو عباس موسى بن عامر المري ثنا الوليد هو ابن مسلم قال قال أبو عمر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال الدراسة محدثة أحدثها هشام بن إسماعيل المخزومي في قدمة قدمها على عبد الملك فحجبه عبد الملك فجلس بعد الصبح في مسجد دمشق فسمع قراءة فقال ما هذا فأخبر أن عبد الملك يقرأ في الخضراء فقرأ هشام بن إسماعيل فجعل عبد الملك يقرأ بقراءة هشام فقرأ بقراءته مولى له فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد فقرأوا بقراءته "

حتى أنه أصبح يُفعل بعد كل صلاة صبح عملا بما يُروى عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ما مِنْ قومٍ صلَّوا صلاةَ الغداةِ ، ثم قعدُوا في مُصلاَّهم ، يتعاطَونَ كتابَ الله ، ويتدارسونه ، إلاَّ وكَّلَ الله بهم ملائكةً يستغفرُون لهم حتّى يخوضوا في حديثٍ غيره "

وهوحديث ضعيف

فاختلف أهل العلم بعد ذلك في قراءة القرءان جماعة .

أما التسبيح الجماعي فلم يقل به أحد من السلف فيما أعلم فهو على هذا محدث .

قال العلامة ابن رجب:

" وذكر حربٌ أنَّه رأى أهلَ دمشق ، وأهلَ حمص ، وأهلَ مكة ، وأهل البصرة يجتمعون على القراءة بعدَ صلاة الصُّبح ، لكن أهل الشام يقرءون القرآن كُلهم جملةً مِنْ سورةٍ واحدةٍ بأصواتٍ عالية ، وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون ، فيقرأ أحدُهم عشرَ آياتٍ ، والنَّاسُ يُنصِتون ، ثمَّ يقرأُ آخرُ عشراً ، حتَّى يفرغوا . قال حرب : وكلُّ ذلك حسنٌ جميلٌ .

وقد أنكر ذلك مالكٌ على أهل الشام . قال زيدُ بنُ عبيدٍ الدِّمشقيُّ : قال لي مالكُ بنُ أنسٍ : بلغني أنَّكم تجلِسونَ حِلَقاً تقرؤون ، فأخبرتُه بما كان يفعلُ أصحابنا ، فقال مالك : عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرِفُ هذا " ا.هـ جامع العلوم والحكم

ثم ذكر ابن رجب أن الاجتماع على قراءة القرآن هو الذي استحبه الأكثرون يعني بعد إحداث أهل الشام له ،وكلامه يصدق عمن جاء بعد مالك.

وهذا إنما في قراءة القرآن فهي التي أثر فيها الكلام في القرن الثاني ثم شاع فيها الخلاف وخاصة بعد مالك.

أما التسبيح الجماعي ونحوه مِن الذكر فلم يقل به أحد من السلف وهو على هذا محدث ،وهيهات أن يثبت عن السلف فيه حرف والله أعلم

ولذلك إنما اختلفوا في مواطن مقيدة كالتكبير أيام التشريق في المساجد والأسواق وهو لا يخص مجالس الذكر وإنما يمثل الذكر المؤقت أو المقيد تماما كالتلبية بصيغها أو التكبير في حال الجهاد أو عند صعود المرتفعات في السفر أو التسبيح عند النزول

وكل هذا يُكتفَى فيه برفع الصوت دون توحيده ما عدا تكبير التشريق فالأدلة تحتمله

أما الذكر المطلق الغير مقيد في النصوص تسبيحا وحمدا فلا خلاف بين السلف في أنه بدعة محدثة أعني بصورة جماعية.

هذا فيما أعلم وسبق تقريره من قبل أهل العلم من السلف وغيرهم وهو أعدل الأقوال في المسألة والله الموفق

 

أخوكم في الله محمد خليفة الرباح

 

 

 

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com