blank2

untitled-2

أضف الموقع الى المفضلةأضف الصفحة الى المفضلةإطبع هذه الصفحةإحفظ الصفحة بصيغة PDF
إذهب الى بداية الصفحة

الأجوبة المختصرة على الأسئلة العشرة

alajuiba3

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ، ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ، ( يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) .

أما بعد : فهذه أجوبة من رأس القلم على أسئلة واردة من بعض الحريصين عاصرت محنة من المحن تعطلت معها عقول كثير ممن خاضها ونطقت فيها الرويبضة ولله المشتكى , فقلت مستعينا بالله _ بعد تلكئ _ حملني عليه إصرار السائلين :

من عظيم منّة الله تعالى على العبد المسلم أن يلهمه رشده ويوفقه لمرضاته و لا يكله إلى نفسه طرفة عين , وإن من أعظم أسباب الهداية والتوفيق هي سؤال المرء المسلم عن دينه ومن تدبر قوله تعالى (( واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )) ظهر له أن الله سبحانه وتعالى ما أمر عباده وحثهم على ذلك إلا لرجوع عظيم المنفعة لهم بذلك قال العلامة السعدي في تفسيره لهذه الآية : وهذه الآية وإن كان سببها خاصا بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين لأهل الذكر  وهم أهل العلم، فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين، أصوله وفروعه، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها، أن يسأل من يعلمها، ففيه الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم، ولم يؤمر بسؤالهم، إلا لأنه يجب عليهم التعليم والإجابة عما علموه. وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم، نهي عن سؤال المعروف بالجهل وعدم العلم، ونهي له أن يتصدى لذلك . ا . هـ وقد قيل قديما : حسن السؤال نصف العلم . ومعلوم أن المرء لا يترقى في درجات العلم إلا بكثرة سؤاله وتحريه وهنا كلمات نافعات سطرتها يراعة الإمام العلم ابن القيم رحمه الله نصدر بها المقام , ونشحد بها همم أقوام , راجين منها الإفادة , من كتابه مفتاح دار السعادة ثم نعقبها بجمل نافعات من كتاب الموفقات للشاطبي رحمه الله :

قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ... وأما شجرة الجهل فتثمر كل ثمرة قبيحة من الكفر والفساد والشرك والظلم والبغي والعدوان والجزع والهلع والكنود والعجلة والطيش والحدة والفحش والبذاءة والشح والبخل , ولهذا قيل في حد البخل : جهل مقرون بسوء الظن , ومن ثمرته الغش للخلق والكبر عليهم والفخر والخيلاء والعجب والرياء والسمعة والنفاق والكذب وإخلاف الوعد والغلظة على الناس والانتقام ومقابلة الحسنة بالسيئة والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وترك القبول من الناصحين وحب غير الله ورجائه والتوكل عليه وإيثار رضاه على رضا الله وتقديم أمره على أمر الله والتماوت عند حق الله والوثوق بما عند حق نفسه والغضب لها والانتصار لها فإذا انتهكت حقوق نفسه لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم بأكثر من حقه وإذا انتهكت محارم الله لم ينبض له عرق غضبا لله فلا قوة في أمره ولا بصيرة في دينه , ومن ثمرتها الدعوة إلى سبيل الشيطان وإلى سلوك طرق البغي واتباع الهوى وإيثار الشهوات على الطاعات وقيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ووأد البنات وعقوق الأمهات وقطيعة الأرحام وإساءة الجوار وركوب مركب الخزي والعار , وبالحملة فالخير بمجموعه ثمر يجتنى من شجرة العلم والشر بمجموعه شوك يجتنى من شجرة الجهل , فلو ظهرت صورة العلم للأبصار لزاد حسنها على صورة الشمس والقمر ولو ظهرت صورة الجهل لكان منظرها اقبح منظر , بل كل خير في العالم فهو من آثار العلم الذي جاءت به الرسل ومسبب عنه وكذلك كل خير يكون إلى قيام الساعة وبعدها في القيامة وكل شر وفساد حصل في العالم ويحصل إلى قيام الساعة وبعدها في القيامة فسببه مخالفة ما جاءت به الرسل في العلم والعمل ...

وقال رحمه الله : ... وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به واليه بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إليه السعي ويكفي هذا في شرف العلم إن صاحبه يحوز به هذا المقام والله يؤتي فضله من يشاء .

وقال رحمه الله : ... وقال محمد بن الفضل .. الزاهد : ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس :

صنف لا يعملون بما يعلمون , وصنف يعملون بما لا يعلمون , وصنف لا يعملون ولا يعلمون , وصنف يمنعون الناس من التعلم . قلت : ( الصنف الأول ) من له علم بلا عمل فهو أضر شيء على العامة فإنه حجة لهم في كل نقيصة ومنحسة . ( والصنف الثاني ) العابد الجاهل فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله . وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله : احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون . فإن الناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبادهم , فإذا كان العلماء فجرة والعباد جهلة عمت المصيبة بهما وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة . ( والصنف الثالث ) الذين لا علم لهم ولا عمل وإنما هم كالأنعام السائمة . ( والصنف الرابع ) نواب إبليس في الأرض وهم الذي يثبطون الناس عن طلب العلم والتفقه في الدين فهؤلاء اضر عليهم من شياطين الجن فإنهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله . وطريقه فهؤلاء الأربعة أصناف هم الذين ذكرهم هذا العارف رحمة الله عليه وهؤلاء كلهم على شفا جرف هار وعلى سبيل الهلكة وما يلقى العالم الداعي إلى الله ورسوله ما يلقاه من الأذى والمحاربة إلا على أيديهم والله يستعمل من يشاء في سخطه كما يستعمل من يحب في مرضاته إنه بعباده خبير بصير , ولا ينكشف سر هذه الطوائف وطريقتهم إلا بالعلم فعاد الخير بحذافيره إلى العلم وموجبه والشر بحذافيره إلى الجهل وموجبه .

وقال رحمه الله : ... حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية فوق حاجتهم إلى كل شيء , ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها , ألا ترى أن أكثر العالم يعيشون بغير طبيب ولا يكون الطبيب إلا في بعض المدن الجامعة وأما أهل البدو كلهم وأهل الكفور _ أي القرى _ كلهم وعامة بني آدم فلا يحتاجون إلى طبيب وهم أصح أبدانا وأقوى طبيعة ممن هو متقيد بالطبيب ولعل أعمارهم متقاربة , وقد فطر الله بني آدم على تناول ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم وجعل لكل قوم عادة وعرفا في استخراج ما يهجم عليهم من الأدواء حتى أن كثيرا من أصول الطب إنما أخذت عن عوائد الناس وعرفهم وتجاربهم , وأما الشريعة فمبناها على تعريف مواقع رضى الله وسخطه في حركات العباد الإختيارية فمبناها على الوحي المحض والحاجة إلى التنفس فضلا عن الطعام والشراب لأن غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن وتعطل الروح عنه وأما ما يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة وهلاك الأبدان وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت فليس الناس قط إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه وليس للعالم صلاح بدون ذلك ألبتة ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلا بالعبور على هذا الجسر .

وقال رحمه الله : ... وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وإن من آثر الراحة فاتته الراحة وإن بحسب ركوب الأهوال وإحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة , فلا فرحة لمن لا هم له ولا لذة لمن لا صبر له ولا نعيم لمن لا شقاء له ولا راحة لمن لا تعب له بل إذا تعب العبد قليلا استراح طويلا وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد , وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة والله المستعان ولا قوة إلا بالله , وكلما كانت النفوس أشرف والهمة أعلا كان تعب البدن أوفر وحظه من الراحة أقل كما قال المتنبي :

وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام

وقال ابن الرومي :

قلب يظل على أفكاره وئد تمضي الأمور ونفس لهوها التعب

وقال مسلم في صحيحه قال يحيى بن أبي كثير : لا ينال العلم براحة البدن . ا.هـ كلام ابن القيم رحمه الله .

وفال العلامة أبو اسحاق الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات : ... ولا ينكر فضل العلم في الجملة إلا جاهل ولكن له قصد أصلى وقصد تابع فالقصد الأصلى ما تقدم ذكره _ وهو العمل به _ وأما التابع فهو الذي يذكره الجمهور من كون صاحبه شريفا وإن لم يكن فى أصله كذلك وان الجاهل دنىء وإن كان فى أصله شريفا وأن قوله نافذ فى الأشعار والأبشار وحكمه ماض على الخلق وأن تعظيمه واجب على جميع المكلفين إذ قام لهم مقام النبي لأن العلماء ورثة الأنبياء وأن العلم جمال ومال ورتبة لا توازيها رتبة وأهله أحياء أبد الدهر إلى سائر ما له في الدنيا من المناقب الحميدة والمآثر الحسنة والمنازل الرفيعة ...

وقال رحمه الله أيضا : وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات تتفق مع ما تقدم وإن خالفتها فى النظر وهى ثلاث :

( إحداها ) : العمل بما علم حتى يكون قوله مطابقا لفعله فإن كان مخالفا له فليس بأهل لأن يؤخذ عنه ولا أن يقتدى به فى علم .. ( والثانية ) :أن يكون ممن رباه الشيوخ فى ذلك العلم لأخذه عنهم وملازمته لهم فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك وهكذا كان شأن السلف الصالح ... وصار مثل ذلك أصلا لمن بعدهم فالتزم التابعون فى الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال فى العلوم الشرعية وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالما اشتهر فى الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر فى قرنه بمثل ذلك وقلما وجدت فرقة زائغة ولا أحد مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ ولا تأدب بآدابهم وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم . ( والثالثة ) : الاقتداء بمن أخذ عنه والتأدب بأدبه كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي واقتداء التابعين بالصحابة وهكذا في كل قرن وبهذا الوصف امتاز مالك عن أضرابه أعنى بشدة الإتصاف به وإلا فالجميع ممن يهتدي به في الدين كذلك كانوا ولكن مالكا اشتهر بالمبالغة فى هذا المعنى فلما ترك هذا الوصف رفعت البدع رؤوسها لأن ترك الاقتداء دليل على أمر حدث عند التارك أصله اتباع الهوى ... إلى أن قال رحمه الله : وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقان :

( أحدهما ) : المشافهة وهى أنفع الطريقين وأسلمهما لوجهين : ( الأول ) خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم يشهدها كل من زاول العلم والعلماء فكم من مسألة يقرؤها المتعلم فى كتاب ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة وحصل له العلم بها بالحضرة وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادى من قرائن أحوال وإيضاح موضع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال وقد يحصل بأمر غير معتاد ولكن بأمر يهبه الله لمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم ظاهر الفقر بادي الحاجة إلى ما يلقى إليه وهذا ليس ينكر ... ( الطريق الثاني ) مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين وهو أيضا نافع في بابه بشرطين : ( الأول ) أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ومعرفة اصطلاحات أهله ما يتم له به النظر في الكتب وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء أو مما هو راجع إليه وهو معنى قول من قال : كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب ومفاتحه بأيدي الرجال . والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئا دون فتح العلماء وهو مشاهد معتاد ( والشرط الثاني ) أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين وأصل ذلك التجربة والخبر أما التجربة فهو أمر مشاهد في أي علم كان فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما ما بلغه المتقدم وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري فأعمال المتقدمين في إصلاح دنياهم ودينهم على خلاف أعمال المتأخرين وعلومهم في التحقيق أقعد فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين والتابعون ليسوا كتابعيهم وهكذا إلى الآن ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصر العجب في هذا المعنى ... فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط فى العلم على أي نوع كان وخصوصا علم الشريعة الذي هو العروة الوثقى والوزر الأحمى وبالله تعالى التوفيق .

وقال رحمه الله : ... وجملة الأمر في التحقيق أن أدهى ما يلقاه السالك للطريق فقد الدليل مع ذهن لعدم نور الفرقان كليل وقلب بصدمات الأضغاث عليل فيمشي على غير سبيل وينتمي إلى غير قبيل ..

وهذا أوان الشروع في الأجوبة على الأسئلة الواردة فنسأل الله الإعانة فيما توخينا من الإبانة :

س 1 : على من يأخذ الرجل منّا دينه ؟

ج : يأخذ الرجل دينه عن العالم الثقة المعروف باستقامة المعتقد والسلوك والذي يحكِّم السنة في شؤونه كلها حالا وقالا وممن لم يُشَب بشوائب البدع والانحراف وقد كان السلف رحمهم الله أشد الناس تحريا في ذلك وقد توارد هذا المعنى في كلامهم عن غير واحد فقالوا : إن هذا العلم دين فلينظر أحدكم عمن يأخذ دينه . إلا أن في هذا المقام تفصيلا ينبغي الإشارة له ألا وهو أن هناك أسقاعا وبلادا قد يُفقد فيها العالم الراسخ لكن تجد فيها من طلبة العلم من تأهل لإعطاء العلم والإفادة فيه فعلى المرء ألا يفوتهم حتى يتهيأ له الحال لصحبة العالم الراسخ ونحن في زمان قد تيسرت فيه صحبة العلماء بدون اللجوء للرحلة أحيانا وإن كان ذلك لا ينوب منابها تماما وذلك بانتشار أشرطتهم المشتملة على شروح الكتب الكثيرة في كل أبواب العلم فعلى طالب العلم المجد أن يصرف وقته في سماع هذه الأشرطة النافعة مع مرعاة التدرج في الطلب وتقديم الأهم فالأهم لأن العلم لا يؤخذ جملة وإنما يتدرج في سلمه شيئا فشيئا ولأن من رامه جملة ذهب منه جملة كما قيل . وقد ألّف العلماء كتبا في أدب الطلب وما هي سبل تحصيل العلم وما يقدم منها وما يؤخر وآداب أهله مع نصائح يحتاج إليها السالك ننصح طالب العلم أن يقدم قرأتها قبل الشروع في طلبه لأنه يكون بذلك قد ولج الأمر من بابه .

س 2 : كيف يعرف العالم الثقة ؟

ج 2 : يعرف العالم الثقة بأحد أمرين : ( 1 ) باشتهاره بالثقة والعلم واستفاضة ذلك بين الناس استفاضة يستغني معها عن التزكية وإلى هذا الأمر أشار الحافظ العراقي في ألفيته في علم الحديث :

وَصَحَّحوُا استغناء ذي الشُهرة عَن * تَزْكيةٍ كَمَالكٍ نجم السنن .

( 2 ) : من طرق معرفة الثقة تزكية أهل العلم أو بعضهم له والشهادة له باستقامة الحال وعلو الكعب في العلم .

س 3 : هل إذا قال عالم من العلماء المشهود لهم بالخيرية كلمته في رجل من الرجال أو بين منهج جماعة من الجماعات يؤخذ منه أو يترك ؟

ج 3 : الأصل أخذ كلام العالم في الجرح والتعديل لا سيّما لغير متأهل أمّا إذا كان أهلاً للنظر والاستدلال فينظر في دليل العالم وما بنى عليه حكمه ويرجِّح , ولا زال العلماء يرد بعضهم على بعض ويتعقب بعضهم بعضا لكن إذا

اتفقت كلمتهم على نقد سخص ما وثبت الإجماع ثبوتا بيّنا فهنا تكون مخالفتهم من دلائل الإنحراف وسوء الطريقة .

وأما بالنسبة لنقد الجماعات المخالفة للسنة وبيان عوارها فالخلاف بين أهل العلم في ذلك أقل لظهور ذلك وتميزه فالأصل هو اعتماد الكلام و أهل العلم والذابين عن السنن عادة لا يتكلمون إلا بحجج وبراهين .

س 4 : هل يصح لنا الدعوة إلى الله بدون الرجوع في ذلك لأهل العلم ؟

ج 4 : تقدم معنا في مقدمة الجواب نقل نصوص من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله في مدح العلم وأهله وذم الجهل وأهله فعلى طالب العلم الداعي إلى الله أن يكون متيقظا مراعيا في دعوته الأصول والضوابط الشرعية والآداب المرعية لأن باب الدعوة إلى الله على بصيرة وهدى من المقامات العلية التي لا يتصدى لها إلا من فتح الله عليهم من العلماء وطلبة العلم النبهاء , فعلى طالب العلم أن لا يُدخل نفسه في مزالق لا يحسنها بل يكتفي بما يعلم ويكل ما لا يعلم لأهله فبذلك تُقوَّم الأمور ويقل المحظور وتموت الشرور ويفرح المؤمنون بنصر الله .

س 5 : هل فعلا يوجد مخالفين يتصدرون الساحة اليوم ؟ وما موقفنا منهم ؟ وهل تكلم فيهم العلماء وإن وجدوا كيف نتعامل معهم ؟

ج 5 : هذا يتضمن فقرات :

( 1 ) : أما هل يوجد مخالف فلا يخلوا ولا غير اليوم منهم سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا فسنة الله الجارية في خلقه أن لا يخلوا زمان من قائم على نصرة الباطل ونشره بل أهل الحق في كل زمان هم القلة من بين الخلق , أما كونهم يتصدرون الساحة فهذا يختلف من مكان إلى آخر ومن زمن إلى زمن قلة وكثرة .

( 2 ) : وأما موقفنا من المخالف فسلوك الطرق الشرعية والآداب النبوية والسبل السلفية وهي : النصح له والبيان مع الحكمة والموعظة الحسنة والتذكير بالتي هي أحسن لا سيما مع عموم الجهل بمنهج السلف في هذه الأزمان المتأخرة وعيش الناس في البدع من أزمان بعيدة فشب عليها الصغير وهرم فيها الكبير واتخذت سنة فإن لله وإن إليه راجعون , ثم تأتي المرحلة الثانية من التعامل مع المخالف وهي معاقبته بالهجر والمقاطعة حتى يرتدع وهذا الباب له فقهه فقد عمل به السلف وكان من العلاجات النافعة التي سلوكها مع من ظهرت منه البدعة وأعلن بها وتموات من أجلها ولكن ضبط هذا الباب ينبغي أن يرجع فيه للعلماء الراسخين و إلا كان بلاء على الدعوة وفسادا لسيرها وقد كتب العلماء فيه كتبا وبينوا أحكامه وبالعلم تتجلى الأمور على حقائقها الناصعة وليحذر السالك من غلبة الهوى وانفلات العاطفة من غير علم ولا بصيرة فقد رأينا من المفاسد في هذا الباب ورأى غيرنا ما أصبح يشكوا منه الفضلاء من أهل العلم لعدم انضباط هذا القيد لدى كثيرين ولا أخلي المقام من فائدة نافعة من كلام العلامة ابن رجب الحنبلي في كتابه النافع ( جامع العلوم والحكم ) بيّن فيها ما قد يقع من بعضهم من أهواء كامنة مردية وهو يظن أنه يحسن عملا : قال رحمه الله في شرحه لحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( .. ولا تباغضوا .. ) : ... ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم وكل منهم يظهر أنه يبغض لله وقد يكون في نفس الأمر معذورا وقد لا يكون معذورا بل يكون متبعا لهواه مقصرا في البحث عن معرفة ما يبغض عليه فإن كثيرا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق وهذا الظن خطأ قطعا وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه فهذا الظن قد يخطئ ويصيب وقد يكون الحامل على الميل مجرد الهوى والألفة أو العادة وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهى عنه من البغض المحرم وهاهنا أمر خفي ينبغي التفطن له وهو أن كثيرا من أئمة الدين قد يقول قولا مرجوحا ويكون مجتهدا فيه مأجورا على اجتهاده فيه موضوعا عنه خطؤه فيه ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله ولا انتصر له ولا والى من يوافقه ولا عادى من خالفه ولا هو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه وليس كذلك فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده وأما هذا التابع فقد شابه انتصاره لما يظنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور كلمته وأنه لا ينسب إلى الخطأ وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق فافهم هذا فإنه مهم عظيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ا.هـ كلامه رحمه الله فتدبره ولا يفوتك الإنتفاع به فإنه من دقائق العلم ونفائس النصح .

( 3 ) : وأما هل تكلم فيهم العلماء فلا زال العلماء يتكلمون فيمن خالف ولم يخلو وقت من بيان عالم وتحذير ناصح ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة , ولكن كثيرا من الأحداث قد يتسرعون في النقد لرجل ما والطعن فيه وإخراجه من السنة ويريدون من العالم موافقتهم على هذا التهور المشين بل ويتعدون إلى أكثر من ذلك فيغمزون العالم نفسه بالتمييع وعدم الغيرة على المنهج السلفي ولم يعلموا أن منهج السلف بريء من هذه التصرفات الطائشة فلا إفراط ولا تفريط بل وسطية حقة مبنية على العلم والبصيرة والغيرة المضبوطة والأدب الرفيع والرحمة بالخلق كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في كلمة أصبحت من القواعد النافعة سارت بها الركبان واستفاد منها أهل العلم والإيمان : وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق، ويرحمون الخلق‏ .‏

س 6 : هل هناك علم يسمى علم الجرح والتعديل ؟

ج 6 : نعم علم الجرح والتعديل من العلوم الملحقة بمسائل علم الحديث ونقده وطرق التوصل إلى صحيحه من سقيمه , وبه تصان الديانة من عبث العابثين وزيغ الزائغين , وبه يعرف المآلف من المخالف , ومن يحمل عنه العلم ممن تزي بزيه وليس من أهله , ولهذا العلم قواعد وضوابط مرعية _ لا يحتملها المقام _ من جهلها خبط خبط عشواء وسار على غير إهتداء وفتح على نفسه أبوابا قد لا يحسن أن يسدها سيُسأل عنها والمليك شهيد .

س 7 : ما هو موقف سلفنا الصالح حيال المخالفين على عهدهم وكيف تعاملوا معهم وكيف عامل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتخلفين عن الحرب في عهده ؟

ج 7 : جواب هذا السؤال تقدم في الجواب عن السؤال الخامس فلينظر والمقام لا يحتمل التفصيل .

س 8 : ماذا لو بين العلماء حال رجل أو داعية ووجد من لايبالي بكلام العلماء وهو يدعو إلى الله على هواه دون تكليف نفسه السؤال عن سلامة منهج الداعي به و لايبالي بكلام العلماء في هذا الصدد كيف نتعامل معه وكيف و أين نصنفه ؟

ج 8 : إذا اتفق العلماء على الكلام في رجل ما فيجب على المسلم الناصح لنفسه أن لا يخالف كلامهم ويلزم غرزهم ففي ذلك نجاته أما إذا اختلفوا فالحجة هي القاضية في النزاع وهنا نص من كلام الإمام الناقد الذهبي رحمه الله قاله في ترجمة الإمام يحي ابن معين من سير النبلاء يتعلق بما نحن فيه فتدبره جيدا قال : ... عبد الـخالق بن منصور: سمعتُ ابن الرومي، يقولُ: ما رأيتُ أحداً قط يقولُ الـحقَّ فـي الـمشايخ غير يحيـى، وغيرُه كان يتـحاملُ بـالقول. .قلت: هذا القول من عبد الله بن الرومي غيرُ مقبول، وإنـما قاله بـاجتهاده، ونـحن لا ندعي العِصمَة فـي أئمة الـجَرح والتعديـل، لكن هم أكثر النَّاسِ صواباً، وأندرهم خطأً، وأشدهم إنصافاً، وأبعدهم عن التـحامل. وإذا اتفقوا علـى تعديـل أو جرحٍ، فتـمسَّكْ به، واعظ علـيه بناجِذَيْك، ولا تتـجاوزه، فتندم. ومن شَذَّ منهم، فلا عبرة به. فخـلّ عنك العناء، وأعطِ القوس بـاريها ..ا.هـ من السير

أما هذا الذي لا يبالي بكلام العلماء فهو على شفى هلكة و ينبغي للمسلم الداعي إلى الله تعالى أن لا يكون مخذولا معجبا بنفسه تياها متكبرا عن الحق و أيضا ينبغي ألا يكون حاطب ليل كما يقال فيأخذ دينه عن كل من هب ودرج فهذه صفات المخذولين ممن ينادى عليهم من مكان بعيد .

أما كيفية التعامل مع هذا الصنف فبحسب حاله و لا يمكن أن تُتخذ قاعدة مطردة في هذا الباب و إلى الله نشكوا حال أهل هذا الزمان فلا نرجو صلاحه ولكن لا ندع الدعاء لعل الله أن يرحمنا .

س 9 : هل يوجد أشرطة وكتب وكتيبات على الأنترنت اعتنى بها العلماء وخرجوها للناس تحكي لهم حال الحزبيين والمخالفين وحذروهم منهم ومن بدعهم وشططهم وأهواءهم ؟

ج 9 : الذي أراه والله أعلم أن الاشتغال كثيرا بمتابعة الانترنت من الأمور المعيقة عن الطلب وتحصيل العلم النافع وأيضا كثر الكاتبون في الشبكات حتى اختلط الحابل بالنابل فعلي المسلم أن يتنبه ويشتغل أولا بمهمات العلوم التي يحتاجها في تكوينه كطالب علم ولا يشغل نفسه بما تصدى له العلماء الراسخين وقاموا به أتم قيام ولكن يأخذ من ذلك بقدر الحاجة التي يحصن بها نفسه من الوقوع في تزكية من لا يستاهل التزكية أو الطعن فيمن هو من أهل الاستقامة وما أشكل فلا يشغل نفسه به بل يسير في الطلب ومع الترقي في درجات العلم تتجلى الحقائق وتزول الاشكالات والله الموفق والهادي لأحسن الحالات .

س 10 : هل من الواجب علينا معرفة المنهج الذي ننتمي إليه أم لا أم المهم نعبد الله كيف نشاء ؟

ج 10 : الواجب على كل مسلم أن يعرف دينه وما فرضه الله عليه من التوحيد والعبادة والاستقامة على أمره واجتناب نهيه والوقوف عند الحدود التي حدّها سبحانه لعباده وما أوجب عليه من التعامل الصحيح مع الخلق في المعاملات من بيوع وأنكحة وعقود ومعرفة عمن يأخذ دينه ممن هو من أهل العلم والسنة و الطريقة الصحيحة والمنهج القويم لا سيما مع انتشار الانحراف في صفوف المسلمين وكثرة الأدعياء فكل هذا وغيره من مسائل الدين دقها وجلها تشمله لفظة المنهج فقصر لفظة المنهج على بعض مسائل الدين كالجرح والتعديل مثلا من القصور الذي لا ينبغي وقد نبه عليه جماعة من أهل العلم المعاصرين إلا أنه قد اصطلح بعض أهل العلم على تسمية بعض قضايا الخلاف مع الجماعات المخالفة لأهل السنة بالمنهج ولا مشاحة في ذلك ما لم يصل الأمر إلى حد الإنكار والتشغيب ولعل السائل يقصد هذا المعنى الأخير فعلى ذلك نقول : لا ريب أن الخلاف مع الجماعات المعاصرة كثير طويل ذيله وهو من فروض الكفيات التي يشتغل بها المتخصصون ممن رسخت أقدامهم في العلم فعلى هذا ينبغي للطالب أن لا يأخذ منه إلا ما يحفظ به نفسه من الوقوع في حبائلهم أما مقام الرد والبيان فلا يقدمه لأنه سيشغله عن طلب العلم المهم الذي يحتاجه حتى يبلغ درجة تؤهله لحمل الأمانة التي كُلفها والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وكتب : أبوزرعة الفرجاني . من طرابلس الغرب من البلاد الليبية حرسها الله وسائر الديار المسلمة ... في السنة الرابعة والعشرين والأربعمئة من الهجرة النبوية .

 

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com