blank2

untitled-2

أضف الموقع الى المفضلةأضف الصفحة الى المفضلةإطبع هذه الصفحةإحفظ الصفحة بصيغة PDF
إذهب الى بداية الصفحة

الالتزام بفهم السلف في فهم النصوص الشرعية (1)

alaltzam13

الالتزام بفهم السلف في فهم النصوص الشرعية ( 1 ) :

بسم الله الرحمن الرحيم .. وبه نستعين, وبعد

لقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يعتصموا بكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والرجوع إليهما عند الاختلاف ، كما قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا)، وقال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)، ولا أحد من المسلمين يستطيع أن يتبرأ من الوحيين الشريفين أو أحدهما، بل كلٌّ يدعي أنه على الكتاب والسنة، ولو في العلم والاعتقاد والتصور فقط دون العمل، إلا القرآنيين قديما وحديثا، وهم قلة قليلة جدا، لا يؤمنون بالأحاديث المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها ولو كانت متواترة، ويدّعون التمسك بالقرآن فقط وهم أبعد ما يكونون عن القرآن! ومع ادعاء التمسك بالوحيين الشريفين من عامة المسلمين تجد الاختلاف بينهم كثيرا واسعا ـ ونعني بالاختلاف هنا ما ليس له مجال في الشرع، وما لا يجوز بأي حال من الأحوال، كالاختلاف في أصول الإيمان والاعتقاد وطريقة فهمهما وفهم غيرهما من أمور الدين كالعبادات والأخلاق والآداب والدعوة إليها ـ وقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الاختلاف محذرا من الوقوع فيه في أكثر من حديث، ومنها حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه عند أبي داود وغيره: "...فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا"، ومنها حديث حذيفة بن اليمان عند البخاري، قال رضي الله عنه: كان الن س يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم"...الحديث، ومنها: حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عند الترمذي وغيره: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة"، قالوا: منهي يا رسول الله؟ قال: "هي الجماعة"، وفي رواية مفسرة: "هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، وقد كتب الله عز وجل الاختلاف على عباده كوناً، كما قال تعال: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)، قال مجاهد: "(ولايزالون) أهل الباطل (إلا من رحم ربك) أهل الحق ليس بينهم اختلاف"، ونهاهم عز وجل عن الاختلاف شرعا وأمرهم بالائتلاف، لأن الحق واحد لا يتعدد، ولا خير إلا فيه، وليس بعده إلا الضلال والشر، كما قال تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال)، فلا يمكن أن يكون الشيء ثابتا ومنفيا، أو بدعة أو سنة، كما لا يمكن أن يكون الشيء واجبا ومحرما من وجه واحد واعتبار واحد، أو يكون حراما مستحبا مثلا، بل إما هذا وإما هذا، قال تعالى:(ولا تكونوا من الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)، وقال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء)، وقال تعالى: (ولا تكونوا من المشركين من الذي فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون).

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف أيضا، كما تقدم في حديث معاوية وحذيفة والعرباض، وفيه: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"، فمع هذه الحقيقة القائمة بين أمة الإسلام ـ أعني: حقيقة الاختلاف ـ قد يقف المرء حائرا متذبذبا مضطربا، لا يعرف حقا من باطل، ولا سنة من بدعة، ولا خيرا من شر؛ إذ الكل يدّعي أنه على الحق وغيرَه على الباطل، والكل يستدل بالكتاب والسنة!

وتعالى الله أن يترك هذه الأمة هكذا دون فاصل بين يوضح الحق من الباطل، ويكشف عن الحائر حيرته، وينقذه من تيهانه، ويبين له سبيله، ويثبت اضطرابه وتذبذبه، بل بينه عز وجل في كتابه وأمر به مرغبا، ونهى عن تركه مرهبا، وهو اتباع سبيل الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان في فهم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وطريقة العمل بهما، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ)، وقال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).

وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكون على مثل ما كان عليه أصحابه رضي الله عنهم عقيدةً وشريعة، وأخلاقا وآدابا، ودعوة ومنهجا كم تقدم في حديث معاوية والعرباض، وزكى رسول الله صلى عليه وسلم قرنهم وقرنين بعده، كما في الصحيحين من حديث عمران بن حصين: "خير الناس قرني ثم الذي يلونهم ثم الذين يلونهم"، فلحكمة بالغة عطف الله عز وجل اتباع غير سبيل المؤمنين ـ وهم الصحابة وقت نزول الآية ـ على مشاققة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعطف رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الخلفاء الراشدين على سنته، وهذه الحكمة هي اعتماد أفهامهم وطريقتهم؛ لأنهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقهم علما، وأقلهم تكلفا، عايشوا نزول القرآن وأحداثه، وعايشوا أفعاله صلى الله عليه وسلم وسمعوا منه أقواله.

قال شيخ الإسلام في "الواسطية": "ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله".

ثم قال: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار واتباع وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة " ".

وتقريرا لهذا الأصل العظيم يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولوا العرفان

ولما تركت الخوارج هذا الأصل قالوا في الصحابة: هم رجال ونحن رجال!

وجهّلهم الأشاعرة لما تنكبوا سبيلهم، فقالوا طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم!

فليت شعري، أي سلامة تتأتى من غير علم؟! بل هم أعلم وأحكم، وطريقتهم أسلم وأحكم، بل كل خير وهدى في اتباع من سلف، وكل شر وضلال في ابتداع من خلف.

ولا يمكن للإنسان أن يحيط بشيء مما كان عليه السلف إلا عن طريق أهل العلم الذين حفظ الله بهم الدين، وأقام بهم الحجة إلى قيام الساعة، فما هم إلا شرفة يطل منها المسلم على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وأصحابه، وما هم إلا مفترق طريق يتميز عنده الناس ويتفرقون إلى ما بين ضال ومهتد، ومخطىء ومصيب، وسني ومبتدع، وسلفي وخلفي، ومقرب وطريد، وشقي وسعيد، ومن له أدنى معرفة بواقع الساحة اليوم يمكن أن يدرك من يمثل السلف من العلماء، فما عليه إلا أن يتعلق بثيابهم حتى يكون من الناجين من الضلال والانحراف في الدنيا، والهلاك في الآخرة.

وجاء في الحديث المتفق عليه واللفظ لمسلم: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ"، وقد ذهب عامة أهل العلم إلى أنهم أهل الحديث والأثر الذين لا يحيدون عنه طرفة عين، وقال البخاري في صحيحه: "وهم أهل العلم"، وتجد أقوالهم مجموعة في تفسير الطائفة المنصورة في المجلد الأول من "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" في الجواب عن حديث الافتراق: "... وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها وأهلُ معرفةٍ بمعانيها واتباعا لها تصديقا وعملا وحبا وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن عاداها...".

فهم أهل التمسك بالآثار الصحيحة وما كان عليه الصحابة وإن لم يكونوا من أهل الاختصاص بالحديث والأثر تزييفا للضعيف والموضوع منها عن الصحيح، كالإمام أحمد وابن معين وغيرهما، فهم أهل التمسك بالسنة الذين يمثلون الامتداد لما كان عليه الصحابة الكرام، فلا شك في رد الناس إلى هذا المد وحده، وأن يُعَلَّقوا به دون غيره، وإلا فقد مثل الخوارج علماء، ومثل المعتزلة علماء، ومثل الأشاعرة علماء، فهل يُرَدُّ الناس إلى أمثال هؤلاء؟! كلا، وإلا فقل: على الإسلام السلام.

بل يردون إلى من يمثل السلف من الصحابة والتابعين لهم وأتباعهم من أهل القرون الثلاثة المفضلة، فهم العلماء حقيقة، وإن أُطلق هذا الوصف على غيرهم فهو على سبيل المجاز، ولا مجاز!

قال الإمام الكبير ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله":

"أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء ، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم".

ثم قال: " وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خويز منداد المصري المالكي في "كتاب الشهادات" من كتابه في الخلاف في تأويل قول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء، قال : أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها".

وأهل العلم في الحقيقة مع ما تقدم في وصفهم هم أهل المعرفة بالأحكام الشرعية مقرونة بأدلتها التفصيلية، مع معرفة أقوال الصحابة ومن بعدهم فيها، وهم أهل الإحاطة بأصول الأحكام الشرعية وقواعدها التي ترجع إليها، وأهل المعرفة بمقاصد الشريعة السمحة، ولذلك فمن حرم هذه المقاصد، وتلك الأصول والقواعد، فهو العامي المقلد وإن حفظ الصحيحين، وعليه فليس كل من كان كاتبا في صحيفة أو مجلة، أو كان واعظا أو خطيبا أو مفكرا يكون عالما، ويكون امتدادا للسلف الكرام من الصحابة والتابعين بإحسان ، وللحديث بقية ...

كتبه: عبدالمجيد عثمان أبومالك الزاوي

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com