blank2

untitled-2

أضف الموقع الى المفضلةأضف الصفحة الى المفضلةإطبع هذه الصفحةإحفظ الصفحة بصيغة PDF
إذهب الى بداية الصفحة

الالتزام بمنهج السلف في فهم النصوص الشرعية (2)

Alaltzam22

 

الإلتزام بمنهج السلف في فهم النصوص الشرعية (2)

بسم الله الرحمن الرحيم .. وبه نستعين, وبعد 

إذا تبين لنا أنه لا هداية للبشر إلا بالسير على ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون الكرام ، كما دل على ذلك قوله تعالى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا)، وأن لزوم طريقهم مما لا خيار فيه لكل مسلم، كما قال تعالى: (وإن تولوا فإنما هم في شقاق)، وأنه لا سبيل لأحد أن يصل إلى ما كان عليه الصحابة ومن سار على نهجهم إلا عن طريق أهل العلم، وقد سبق معنا أنهم أهل الحديث والأثر، وسبق معنا ـ في وصفهم ـ في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم: "الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها وأهلُ معرفةٍ بمعانيها، واتباعا لها تصديقا وعملا وحبا وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن عاداها".

إذا تبين لنا هذا وذاك، فلابد أن ندرك أيضا أن الرجوع إلى أهل العلم في معرفة الأحكام الشرعية، هو من منهج السلف الكرام وطريقتهم العملية، كما هو الشأن في المسائل الاعتقادية، وقوفا عند قول الله عز وجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وقد قسم الله الناس في هذه الآية إلى قسمين: أهل العلم، وعامة الناس من غيرهم، و أمر هؤلاء بالرجوع إلى هؤلاء، ولا يمكن لأحد أن يكون من أهل العلم إلا إذا كان عارفا بالأحكام الشرعية مع أدلتها، محيطا بأصولها وقواعدها العامة التي ترجع إليها، مدركا لمقاصدها وأبعادها، مطلعا على أقوال الصحابة ومن جاء بعدهم فيها، كما مر معنا في المقال السابق.

وعليه فلا يحق لمسلم كائنا من كان أن يتكلم في آية أو حديث، ويقرر منهما حكما، أو يفصل في مسألة تكلم فيها أهل العلم واختلفوا فيها ـ وإن أحاط بأقوالهم وأدلتهم فيها ـ إلا إذا كان حائزا على ما يفترق به عن العوام، وإلا كان متهجّما متعديا، ينبغي أن يعلّم أو يؤدب، ومن ذلك مثلا أن يعرف ماذا يفيد الأمر في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؟ أيفيد الوجوب، أم الاستحباب، أم غير ذلك؟ وكذلك النهي في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، هل يفيد التحريم أو الكراهة؟؟ وينظر في كلام العلماء في ذلك وأدلتهم الإجمالية على ما قرروه، ويخرج بنتيجة يقنع بها ، ويطمئن إليها ، وينبني عليها عنده المسائل الفرعية المتعلقة بها، فيكون متثبتا، لا متذبذبا ولا متميعا، بالإضافة إلى معرفة ماذا يعني الوجوب والاستحباب والكراهة والتحريم، وماذا يترتب عليه، قبل ذلك!

وأن يعرف مثلا ما يتعلق بالإطلاق والتقييد وأحوالهما، ومتى يتم التقييد ومتى لا يتم؟ وينظر في أقوال العلماء واختلافاتهم وأدلتهم في ذلك، حتى يخرج بنتيجة يطمئن إليها قلبه، ويقنع بها ، ويرد إليها الأحكام الفرعية المتعلقة بها، وهكذا.

فلابد أن تكون كل مسألة عنده مبنية على أصل, وراجعة إليه، وخاصة المسائل التي تتنازعها الأدلة والتعليلات، لأن الشأن ليس في معرفة الدليل، وإنما الشأن في معرفة كيفية وصحة الاستدلال به عل أحكام المسائل، وهل هو معارض بغيره أو لا؟ لأن عامة المسائل التي اختلف فيه العلماء يذكر كل فريق منهم أدلته عليها، فلا يفيد مجرد معرفة أدلة الفريق الواحد منهم، بل لا يفيد معرفة أدلتهم جميعا دون نظر وتحقيق فيها، ولا يمكن أن يرقى العامي بذلك فوق درجته المحددة له، حتى يمكنه الوصول إلى معرفة الأحكام على أسس سليمة، وينتقل إلى الدرجة الأخرى فيكون متبعا أو مجتهدا!

وهكذا النظر في التعليلات ما يصح منها وما لا يصح!!

ولابد مع ذلك كله أن يتعلم ما يتعلق باللغة العربية وأساليبها ومعانيها ودلالات ألفاظها، كما أنه لابد من تحقيق النظر في (أدلة الأحكام) التي اختلف فيها أهل العلم، كالإجماع الظني، والقياس الخفي، وعمل أهل المدينة، وشرع من قبلنا، وغيرها، وهل فيها ما هو معتمد أم لا؟ والمقام في هذا يطول جدا.

والمقصود بيان أن من حرم هذه الأصول وتلك القواعد، وحرم الفقه في لغة العرب التي نزل بها القرآن، وتكلم بها الرسول صلى الله عليه وسلم كان سبيله تقليد أهل العلم، ولم تجب عليه معرفة الأحكام بأدلتها، لأنه لامعنى في إيرادها عليه، أو طلبه إياها، اللهم إلا (ليطمئن قلبه)، أو لمقصد آخر، فهذا هو الواجب في حقه، أن يسأل أهل العلم عن الأحكام الشرعية ويدين الله بها، ومن هنا قال أهل العلم: (فتوى العالم للعامي، كالدليل بالنسبة إلى العلم).

قال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" بعد ذكره للآيات والأحاديث والآثار عن الصحابة وغيرهم في ذم التقليد:

"وهذا كله لغير العامة؛ فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها؛ لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك؛ لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة، والله أعلم، ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المرادون بقول الله عز وجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك ـ والله أعلم ـ لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم". انتهى.

وقال الآمدي في "الإحكام": " العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد -وإن كان محصلًا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد- يلزمه اتباع قول المجتهدين والأخذ بفتواه عند المحققين من الأصوليين". انتهى.

قلت: وما جاء عن ابن حزم في كتابه "الإحكام" من إيجاب معرفة الحكم الشرعي بدليله على كل مسلم شذوذ منه، وكأنه ردة فعل ـ لم تنضبط عنده ـ تجاه من أوجب تقليد الأئمة وإن كان أهلا للنظر في الأدلة الشرعية وقادرا على استفادته للأحكام منها على الأسس السليمة، وما جاء عن هذا الإمام الجليل يتشدّق به كثير من الناس اليوم وخاصة ممن أنعم الله عليه بشيء من التمييز، وإدراك أن ما كان عليه السلف هو الحق الذي لا محيد عنه وإن خالفه في بعض أقواله وتصرفاته، حتى عمت الفوضى العلمية، ورُدّت بسببها فتاوى كبار العلماء بدعوى اتباع الدليل! مع أن كثيرا من الأحكام التي يفتون بها قد تكون راجعة إلى أصلي كلي أو قاعدة عامة، وليس فيها نص خاص!! نعم، معرفة الحكم بدليله فيه زيادة اطمئنان للقلب، وذكرُهُ مقرونا به فيه تعليق للناس بالوحيين، وتربية لهم على تعظيمهما، وتذكير لهم بأن العلماء ما هم إلا واسطة بينهما وبينهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم.

ومن ذلك ما ذكره ابن القيم في إعلام الوقعين تحت فصل الفوائد المتعلقة بالفتوى، قال رحمه الله في الفائدة السادسة: "ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك، ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجا مجردا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم، ومن تأمل فتاوي النبي صلى الله عليه وسلم الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته، وهذا كما سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرطب إذا جف؟" قالوا: نعم، فزجر عنه، ومن المعلوم أنه كان يعلم نقصانه بالجفاف، ولكن نبههم على علة التحريم وسببه، ومن هذا قوله لعمر وقد سأله عن قبلة امرأته وهو صائم، فقال: "أرأيت لو تمضمضت ثم مججتَه أكان يضر شيئا؟" قال، لا، فنبه على أن مقدمة المحظور لا يلزم أن تكون محظورة، فإن غاية القبلة أنها مقدمة الجماع، فلا يلزم من تحريمه تحريم مقدمته، كما أن وضع الماء في الفم مقدمة شربه وليست المقدمة محرمة... والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجة بنفسه يرشد الأمة إلى علل الأحكام ومداركها وحِكمها، فورثته من بعده كذلك ... وكذلك أحكام القرآن يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها، كقوله: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض)، فأمر سبحانه نبيه أن يذكر لهم علة الحكم قبل الحكم ...".

والحاصل: أن من لم يكن عالما ـ إذا ـ أو طالب علم متأصلا ومتثبتا، فهو العامي وإن أبى، وحكمه أن يسأل من يثق في علمه ودينه، وينبغي له ـ ديناً ـ أن يتحرى الأعلم والأتقى لله في حسه وظنه.

ثم يبقى للعامي بعد ذلك أمران:

الأول: كيف يميز العلماء عن غيرهم؟

الثاني: موقفه من اختلافهم؟

فأما التمييز للعلماء عن غيرهم، فإنه يكون للعامي عن طريق الاستفاضة والشهرة؛ ولذلك قلنا: (ينبغي له أن يسأل الأتقى والأعلم في حسه وظنه)، ونظرا لعدم التمييز الواقعي لأهل العلم عن غيرهم عنده، فقد يقوم في ظنه أن فلانا عالم مثلا وليس كذلك، وذلك بأن يكون مقلدا، أو متتبعا للأدلة دون تأصيل، وهذا أيضا لا يخرج عن دائرة التقليد ـ وإن كان عنده نوع تمييز ـ، كما تقدم معنا، والمقلد ليس معدودا في العلماء إجماعا، كما سبق بيانه في كلام ابن عبد البر، فالعامي في الحقيقة لا يستطيع أن يفرق بين العلماء حقا ومن كان في حكمهم، وبين المقلدة ومن كان في حكمهم، بينما العالم ومن كان في حكمه يستطيع أن يميز العالم: إما من خلال تزكية أهل العلم وشهادتهم له، وإما بآثاره من الكتب وغيرها، وإما بمناقشته وسؤاله.

هذا وقد يتدنى مستوى العامي، وقد يتوسط، وقد يرتفع، وهذا المستوى الأخير عليه كثير من الناس اليوم المحسوبين على (التدين) والالتزام، فتجد عندهم تمييز لأهل السنة عن غيرهم، وتمييز للاتباع والتقليد، ويميزون صحيح الحديث من ضعيفه بالرجوع إلى أهل الاختصاص، ويعرفون من هو البخاري ومن هو مسلم، ومن هو الذهبي ومن هو ابن حجر، ومن هو الشوكاني ومن هو الصنعاني، فضلا عن المعاصرين كالعثيمين والألباني، ولا يخرجهم ذلك عن كونهم مقلدة، سبيلهم التقليد، وخاصة في المسائل التي تتنازعها الأدلة والتعليلات، التي لا يدرك مآخذها إلا أهل العلم بناء على ما عندهم من أصول وقواعد ومعاني، ويمكن لهؤلاء أن يطالبوا بالدليل، ويلتزموا به في فضائل الأعمال، كالأذكار والأدعية وغيرها، ويبقى لهم ولمن كان مثلهم أن يعرفوا موقفهم عند اختلاف أهل العلم في المسائل الفرعية، وهو يرجع إلى أحد هذه الأمور عندهم:

1 ـ أن يأخذ بقول الأعلم والأتقى.

2 ـ أن يأخذ بقول الأكثر.

3 ـ أن يأخذ بقول من كان قوله أحوط لدينه، كأن يأخذ بقول من يحرم، ويترك قول من يبيح، ومن هذا الباب أيضا أن يأخذ بقول الأكثر؛ لأنهم أقرب إلى الصواب.

وأما استفتاء القلب فهو لمن له النظر في أقوال أهل العلم وأدلتهم، ولم يتبين له الراجح منها بعد نظره فيها، فقد جاء في مسند الإمام أحمد والدارمي عن وابصةَ بن مَعبد رضي الله عنه قال: أتَيْتُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: "جئتَ تَسْألُ عَنِ البِرِّ؟" قُلْتُ : نَعَمْ ،فَقَالَ: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البرُّ مَا اطْمَأنَّت إِلَيْهِ النَّفسُ، وَاطْمأنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالإثْمُ مَا حَاكَ في النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أفتَاكَ النَّاسُ وَأفتَوْكَ"، وهو حديث حسن.

قال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" تحت "باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف العلماء":

"... وأما مالك والشافعي رضي الله عنهما ومن سلك سبيلهما من أصحابهما وهو قول الليث بن سعد ، والأوزاعي ، وأبي ثور وجماعةِ أهل النظر: أن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب، والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول على الصواب منها، وذلك لا يُعدَم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبن ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد، واستعمل عند إفراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قولَهُ صلى الله عليه وسلم : "البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، هذا حال من لا ينعم النظر ولا يحسنه، وهو حال العامة التي يجوز لها التقليد فيما نزل بها وأفتاها بذلك علماؤها ، وأما المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله لأحد أن يفتي ولا يقضي إلا حتى يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو ما كان في معنى هذه الأوجه".

هذا ما وقفنا عليه من كلام أهل العلم في هذا المقام، وهو على كل حال يحتاج إلى تحقيق، ولكن حسبنا فيه هذه الضوابط والإشارات، والمقصود منها الانضباط بما ذكره العلماء، والبعد عن الفوضى العلمية، وتتبع الرخص، والأخذ بما يتوافق مع الأهواء، وترك ما يخالفها، وقد حكم أهل العلم بالفسق على من تتبع رخص العلماء وما يتفق مع الأهواء، قال سليمان التيمي: لو أخذ برخصة كل عالم لاجتمع فيك الشر كله! رواه ابن جرير الطبري وابن عبد البر، وقال: وهذا إجماع لا أعلم فيه خلافا.

ولنذكِّر أخيرا بما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله لكُميل بن زياد النخعي: "يا كميلُ بنَ زياد! إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق"، أي: لم يكونوا علماء ربانيين، ولم يلجؤوا إلى العلماء الربانيين، والأئمة المهديين.

وكتبه: عبد المجيد عثمان


 

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com